Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

التعديلات الدستورية
 

يعرض هذا الكتيب للمناقشات التي دارت فى إطار منتدى الإصلاح الدستوري الذي نظمه شركاء التنمية بالمشاركة مع مؤسسة كونراد اديناور الألمانية فى الفترة من نوفمبر 2006 حتى أواخر مارس 2007، والتي دارت على أساس أبحاث مختصرة قدمها عدد من أبرز فقهاء القانون في مصر، وخصوصا القانون الدستوري. ومع أن البعض قد تشكك فى جدوى أي مناقشة لهذه التعديلات باعتبار أن أمرها كان منتهيا على ضوء أوضاع النظام السياسي فى مصر، والذي يتسم بأن مايراه الرئيس فى أي أمر من الأمور يصبح بمثابة قانون نافذ، إلا أن شركاء التنمية مع المؤسسة الألمانية قرروا عقد جلسات هذا المنتدى اقتناعا منهم بأهمية الدستور فى حد ذاته من ناحية، ومشاركة فى حوار قد لا يؤتى ثماره على الفور، ولكنه قد يفرش الطريق أمام معاودة النظر فيما أدى إليه نظر مجلس الشعب لهذه التعديلات. فأهمية الدستور في النظام السياسي لأي دولة لا تحتاج إلى مزيد من البيان، فالدستور هو أب القوانين، والذى ينص على القواعد الأساسية التي ينبغي، بل ويلزم، أن يسترشد بها المشرع فى كافة فروع القانون، مدنيا أو جنائيا، دستوريا او إداريا، مرافعات أو إجراءات، ولذلك فقواعد الدستور تحدد شكل تطور النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى فى البلاد لفترة تطول بحسب ماتتمتع به قواعد الدستور من استقرار نسبي، ومن المعروف أن القواعد القانونية التي تخالف القاعدة الدستورية هي قواعد باطلة، يتقرر بطلانها بحسب المؤسسة التي يوكل لها النظام القانوني فى كل دولة حسم النزاع حول عدم دستورية القوانين، ولهذا السبب فإن قواعد الدستور ينبغي أن تحظى بوفاق وطني عام حتى يتوفر لها الاحترام بل الولاء الكامل من جانب كل القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة فى دولة هذا الدستور، وإلا ولدت هذه القواعد خلافات مستمرة بين هذه القوى لأنها لابد وأن تنعكس في صورة قوانين ولوائح وسياسات، وإذا كان من المألوف أن تختلف هذه القوى حول العديد من المسائل الجوهرية، إلا أنها ينبغى أن تتوافق على قواعد إجراءات العمل السياسى والإطار العام لهذا العمل من حيث الحقوق التى لابد من أن يتمتع بها أطراف هذا العمل حتى لايؤدى الخلاف بينهم حول الإجراءات إلى مضاعفة صعوبة الوصول إلى اتفاق حول مضمون السياسات. ولهذا السبب أيضا فإن عملية وضع قواعد الدستور أو تعديلها هي فى معظم البلدان قواعد خاصة، تختلف عن القواعد المتبعة فى صنع القوانين. وذلك من حيث الهيئة المنوط بها وضع الدستور أو تعديله أو من حيث القواعد المتبعة فى هاتين الحالتين، فالهيئة التى تضع الدستور ليست هى الهيئة التى تصنع القانون، فهي قد تكون جمعية تأسيسية أو لجنة خاصة تمثل فيها كل القوى السياسية فى الدولة المعنية، ثم لا يصدر هذا الدستور فى العادة إلا بموافقة الهيئة الناخبة. صحيح طبعا أن هذا هو الوضع السائد فى البلدان التي يقترب نظامها السياسى من الديمقراطية الليبرالية، وأن الممارسات فى غير ذلك من البلدان مختلفة، فعلى الرغم من اتباع طقوس توحي بأن وضع الدستور أو تعديله قد استند إلى إرادة شعبية، جرى التعبير عنها من خلال "استفتاء"، إلا أن ماجرى في هذه البلدان لم يكن سوى ترجمة لمشيئة حاكم فرد أو أقلية حاكمة متسلطة، وما يرجوه كثيرون فى مصر هو أن تقترب ممارساتها فى هذا السبيل مما تعرفه البلدان الأقرب إلى الديمقراطية، فى صورتها الليبرالية على الأقل. فى هذه الدول الأخيرة، وأمثلتها متعددة فى فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة والهند تكون مهمة تعديل الدستور إحدى مسئوليات الهيئة التشريعية وبأغلبية خاصة، لأنه يفترض أن هذه الهيئة هى الأكثر تمثيلا للشعب. فهو حق أصيل للهيئة التشريعية فى الولايات المتحدة، مدعومة بموافقة الهيئات التشريعية فى ثلاثة أرباع الولايات، وتشترك فى ذلك الهند التى تشترط موافقة الهيئة النيابية فى نصف الولايات، وإذا كان دستور الجمهورية الخامسة فى فرنسا يعطى السلطة التنفيذية ممثلة فى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء دورا فى طلب التعديل، إلا أن موافقة أغلبية خاصة فى مجلسي البرلمان ضرورية حتى يتم إقرار الاقتراح الذى جاء أصلا من السلطة التنفيذية أو قد يقتضى الأمر العودة إلى الشعب الفرنسى فى استفتاء لمعرفة موقفه من التعديل المقترح، ولم يحدث أن استسلم البرلمان أو الشعب فى فرنسا لإرادة الرئيس، فقد رفض الشعب الفرنسي أفكار الرئيس ديجول- على الرغم من شعبيته الهائلة- بالنسبة لتعديل دستور الجمهورية الخامسة فى سنة 1969، مما اعتبره ديجول تعبيرا عن عدم ثقة الشعب به، فتنحى عن رئاسة الدولة بعد ظهور الإرادة الشعبية على الفور، بل ورفض الشعب الفرنسى الدستور الأوروبي الذى كان يحظى برضاء كل من الحكومة والمعارضة على السواء في مايو 2005. والأكثر من ذلك أن الرئيس شيراك اضطر إلى أن يطلب من مجلسي البرلمان تقصير مدة تولي منصب الرئيس من سبع إلى خمس سنوات استجابة لرغبة شعبية عارمة. أما فى مصر فقد سارت الأمور على عكس هذا الوضع السائد فى دول الديمقراطية الليبرالية، وبحسب النصوص الدستورية فقد انتقل الوضع من ايكال مسئولية تعديل الدستور إلى كل من مجلس النواب المصري ومجلس الوزراء دون اشتراط موافقة رئيس الدولة فى اللائحة الأساسية فى سنة 1882، إلى أن أصبح هذا الأمر مسئولية مشتركة بين رئيس الدولة والبرلمان فى دستور 1923، أو بين رئيس الدولة والبرلمان مشروطا بموافقة شعبية فى الدساتير الجمهورية التي لا تختلف كثيرا حول هذه المسألة، ولكن في واقع الأمر أصبح تعديل الدستور اختصاصا قاصرا على رئيس الجمهورية، فهو الذي يحدد قبول هذه المسألة أو عدم قبولها من حيث المبدأ، وهو الذي يضع نطاق ماهو مطروح للتعديل، بل ينفرد مستشاروه بصياغة هذه التعديلات، ويقتصر دور الهيئة النيابية على مباركة ما اقترحه رئيس الدولة، ثم تعرض هذه التعديلات على الشعب، وتخرج الحكومة ممثلة فى وزارة الداخلية لتعلن أن أغلبية ساحقة من المواطنين قد شاركت فى الاستفتاء، ,و أن أكثر من تسعة أعشارهم قد وافقوا عليها، دون أن ترهق نفسها بتقديم أي دليل على توافد هذه الحشود الهائلة من المواطنين للمشاركة فى الاستفتاء دون أن يلحظها أحد فى شمال البلاد أو جنوبها أو شرقها أو غربها. ونتيجة هذا الأسلوب الخاص فى صياغة الدساتير وتعديلاتها جد خطيرة، إذ يفقد الدستور مصداقيته كتعبير عن توافق وطنى عام، بل ويفق شرعيته لعدم استناده إلى إرادة شعبية ظاهرة. وقد طرح شركاء التنمية ست موضوعات لهذه المحاورات حول التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس حسنى مبارك، ودعوا إليها عددا من أبرز فقهاء القانون فى مصر لطرح آرائهم حولها، وبذلوا كل الجهود لطرح هذه الاجتهادات فى نقاش عام سعوا لأن يشارك فيه ممثلون للقوى السياسية الأساسية فى مصر حكومة ومعارضة، وقد اسعدهم أن يلبي دعوتهم هذه نخبة ممتازة من قادة الأحزاب السياسية وأعضاء مجلسي الشعب والشورى من كافة هذه القوى وممثلي منظمات المجتمع المدني وبعض من تهمهم واحد أو آخر من هذه الموضوعات، على النحو الذى يبينه عرض المناقشات الواردة فى هذا الكتيب بعد مداخلة كل من هؤلاء الفقهاء. وقد كانت الموضوعات التى دار حولها الحوار هى أسلوب تعديل الدستور، وموقع المادة الثانية الخاصة بكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، وطبيعة النظام الاقتصادى، وسلطات رئيس الجمهورية، ودور القضاء، وماهية النظام الانتخابى الأمثل. وقد تحدث الأستاذ طارق البشرى الفقيه القانونى البارز ونائب رئيس مجلس الدولة الأسبق، عن قضية تعديل الدستور، وذهب إلى أن مضمون التعديل يتوقف على علاقات القوة بين الأطراف الرئيسية للعملية السياسية فى مصر، وانتهى إلى أن علاقات القوى هذه فى الوقت الحاضر ترجح الثقل الهائل الذي يتمتع به جهاز الدولة، ومن ثم لم ير أن هذا الوضع يمكن أن يسمح بنقلة حقيقية نحو الديمقراطية، وأيد الدكتور نور فرحات أستاذ القانون والخبير السابق فى الأمم المتحدة تفسير المحكمة الدستورية العليا لنص المادة الثانية من الدستور من حيث أنها توجيه للمشرع، وأن مايقبل التطبيق من مبادىء الشريعة الإسلامية هو الأحكام الكلية التى انعقد عليها إجماع المدارس السنية الأربع، بينما رفض الدكتور حسام عيسى أستاذ القانون التجارى بجامعة عين شمس أي مصداقية في الحوار الدائر حول تعديل الدستور، ,أعرب عن اعتقاده بأن الخلاص الوطنى لا يكون عن طريق صياغات قانونية أو دستورية جديدة، ولكن من خلال برنامج نهضة وطنية يحظى بإجماع أغلبية قوى الشعب، وعرج الدكتور فتحى فكري، رئيس قسم القانون العام بجامعة القاهرة على المسكوت عنه فى النقاش الدائر حول تعديل الدستور، وذهب الأستاذ هشام البسطويسى نائب رئيس محمة النقض إلى أن دور القضاء كسلطة مستقلة معرض للتهميش على ضوء التعديلات الدستورية المقترحة التي ستحل لجنة معينة محل القضاء فى الرقابة على الانتخابات، كما أن بعض الأجهزة التابعة للسلطة التنفيذية مثل النيابة الإدارية وهيئة قضايا الحكومة سوف تدخل ضمن الهيئات القضائية بحكم إلغاء المجلس الأعلى للقضاء وإحلاله بمجلس رؤساء الهيئات القضائية الذى ستدخل فيه هاتان الهيئتان، ورفض الحجج القائلة بأن الإشراف المباشر للقضاء يهدر كرامة القضاة أو أنه غير عملي بسبب قلة عدد القضاة مقارنا بعدد لجان الاقتراع، وأخيرا انتهت الدكتورة سعاد الشرقاوى أستاذ القانون الدستورى بجامعة القاهرة إلى أن نظام الأغلبية الفردي، وليس نظام القائمة النسبية، هو النظام الانتخابي الأمثل لمصر فى الظروف الراهنة، وخصوصا بسبب الصعوبات الفنية التى يثيرها هذا النظام الأخير. ويجد القارىء فى الكتيب تفاصيل هذه المساهمات القيمة من جانب هؤلاء الفقهاء الثقات، كما يجد أيضا تفاصيل النقاش الذي جرى مستنيرا بهذه المساهمات، ويعتقد شركاء التنمية أن قيمة هذه المساهمات والنقاش لا تضيع لأن التعديلات الدستورية التى اقترحها رئيس الجمهورية قد تم إقرارها فى مجلسي الشعب والشورى، وذهب وزير العدل إلى أنها حصلت على تأييد ثلاثة أرباع المواطنين الذين شاركوا فى الاستقتاء عليها، والذى قدمت الحكومة موعده باسبوع فى السادس والعشرين من مارس سنة 2007، ذلك أن أسلوب التعديل لا يتفق مع ما ينبغي أن يكون عليه أسلوب تعديل الدستور من مشاركة فعالة لكل القوى السياسية والاجتماعية، وأن يكون مضمون التعديل موضع وفاق بين كل هذه القوى، كما أن هذه التعديلات لم تتطرق إلى بعض المواد التى ذهبت معظم هذه القوى إلى ضرورة تعديلها مثل المادة 77 الخاصة التي تطلق مدد تولى رئيس الجمهورية على عكس صياغتها الأصلية فى دستور 1971، كما أنها همشت دور القضاء فى الرقابة على العملية الانتخابية بإحلال لجنة معينة محله، وبعدم تحديد مسئولية محكمة النقض فى الفصل فى صحة الانتخابات تحديدا قاطعا وبقطع الطريق على إدعاء مجلس الشعب أنه صاحب الاختصاص الأساسي فى هذه المسألة، وأخيرا لأن هذه التعديلات من شأنها وقف الضمانات الدستورية الخاصة بالحرية الشخصية وحرمة المنازل وحرمة المراسلات الخاصة ووسعت من اختصاص القضاء العسكري ليشمل محاكمة المدنيين، وذلك بموجب ماتضمنته المادو 179 فى صياغتها الجديدة. ولعل ما يجعل لهذه المناقشات الواردة فى الكتيب قيمة مستقبلية أنه باعتراف الحكومة، فإن كل الذين شاركوا فى الاستفتاء لايتجاوزون 27% من إجمالى الناخبين المقيدين، وقد شككت منظمات المجتمع المدنى التي راقبت هذه الانتخابات فى صحة هذه النسبة، ومع ذلك، فحتى مع تصديق البيانات الحكومية، فإن حوالى خمس من لهم حق التصويت هم فقط الذين وافقوا على هذه التعديلات. صحيح أن قانون مباشرة الحقوق السياسية لا ينص على نسبة معينة ينبغى توافرها لكى يكون الاستفتاء صحيحا، ولكن هذه مسألة ينبغى تداركها فى المستقبل، لأن استناد الدستور المعدل إلى التأييد المدعي لأقلية من المواطنين إنما يشكك كثيرا فى شرعيته. ولكل هذه الأسباب فربما لا تكون الكلمة الأخيرة بالنسبة للنظام الدستوري الذى يحظى بالشرعية فى مصر قد قيلت بعد. مصطفى كامل السيد.

PID © 2012    |     Privacy Policy